مقدمة:
لقد جاءت شريعتنا الإسلامية السمحة على نحو تخفف من أخطار التنازع، وتدرأ من مفاسدها، وتعين على معرفة أصحاب الحقوق، لينالوها قضاءً، وتعمل على السداد في المعاملات، إنها طريقة التوثيق التي ندب الشارع إليها بتحريضه على كتابة الدَّين. والإشهاد في سائر المعاملات.
إذ التوثيق يُمَكِّن أصحاب الحقوق من حقوقهم، ويحفظ المال لأهله، ويجنب المتعاقدين من مزالق الحرام، ويصون أعراض الناس، فبه يميز النكاح من السفاح، ويثبت نسب الأبناء إلى آبائهم، وبه يحسم كثير من أسباب الخصومات، وتسد أبواب المنازعات، وهذا فيه ما يضمن للمجتمع سلامته وأمنه واستقراره.
واعتبارا للأهمية البالغة لهذا الفن من العلوم الشريفة، ونظرا لخطورته نجد الشارع الحكيم قد خلد في القرآن الكريم أمرا ساقه في أطول آية على الإطلاق، وهو الأمر بتوثيق الديون في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (البقرة: 282).
كما أننا نجد النبي صلى الله عليه وسلم حرص على التوثيق، ووثق الكثير من الرسائل والمبايعات وغيرها، وحث على ذلك وأمر أصحابه أن يوثقوا عقودهم ومعاملاتهم، وكذلك فعلوا ومن سار على دربهم ونهج منهجهم القويم من فحول العلماء وأكابر الفقهاء، حتى شاع التوثيق وصار علماً قائما بذاته له قواعده وشروطه وضوابطه، ومنهجا يضبط أصوله وقواعده الخاصة ممن بذلوا الأوقات، والأنفاس، حتى تأهلوا وبلغوا فيه المعالي…
المطلب الأول: التوثيق: تعريفه وإطلاقاته.
لغة: قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: الواو والثاء والقاف: تدل على عقد وإحكام، ووثقت الشيء: أحكمته، والميثاق العهد المحكم، من ذلك قوله تعالى: }فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق{ أي: أحكموا ربطهم لئلا ينفلتوا.
ولذا سميت الوثيقة وثيقة لأنها تحكم ما جرى بين المتعاقدين.
وجاءت لفظة (وَثَقَ) وما اشتق منها على عدة معاني، منها:
1- قال الأزهري: الوَثاقَة: مصدر الشيء الوَثيق المُحكم، والفعل اللازم: وَثُقَ وثاقة فهو وَثيق ([1])
2- والوَثاق: اسم الإيثاق، تقول: أوثقتُهُ إيثاقًا ووَثاقًا، والحبل أو الشيء يُوَثق به: وثاق. والجميع: الوُثُق، منـزلة الرِباط والرُّبُط ([2])
- والوثيقةُ في الأمر: إحكامُهُ والأخذ بالثقَة، والجمع؛: الوَثائق ([3])
- والمَوْثَق والمِيْثَاق: العَهْدُ، والجمع: المواثِيق على الأصل، وفي المحكم: والجمع: المَواثِق ([4])
- والمُواثَقة: المعاهدة ([5])
- والثقَةُ: مصدر قولك: وَثِقَ به يَثِق - بالكسر فيهما - وثاقةُ، وَثِقَة: ائتمنه، وأنا واثق به، وهو مَوثُوق به ([6]) والذي يعنينا في هذا البحث ما كان بمعنى اليمين والمَوْثق والعَهْد المحكم، دون ما سوى ذلك مما يتعلق بهاتين الكلمتين أو اشتقاقهما من معان أخرى. ويسمى كذلك هذا العلم ب:
- علم الشروط: لأنه لا تخلو وثيقة من شروط فيها فأطلق عليه ذلك من باب تسمية الشيء ببعض أجزائه.
- علم الوثائق أو التوثيق: والوثاق ما يعقد به الشيء ويربط به كالحبل ونحوه، فكذلك الحق الذي في الوثيقة.
- علم الإثبات.أي إثبات الحقوق بين المتعاقدين.
المطلب الثاني : نشأته والمؤلفات فيه
نشأ علم التوثيق منذ العهد الإسلامي، يدل على ذلك قول الله تعالى } يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل…{، وكان r يكتب العهود، والعقود وكانت تكتب أيضا بدقة وتحري للألفاظ.
وأول كتاب النبي r علي رضي الله عنه، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم أيضاً يكتبون ويوثقون، فكتب زيد بن أرقم، والعلاء بن عقبة بين الناس في قبائلهم ومياههم.
و كان يكتب المداينات والمعاملات أيضا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ